العيني

258

عمدة القاري

فيه فضيلة الدوام على العمل والحث على العمل الذي يدوم والعمل القليل الدائم خير من الكثير المنقطع ، لأن بدوام القليل تدوم الطاعة والذكر ، والمراقبة والنية والإخلاص والإقبال على الله سبحانه وتعالى ، ويثمر القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافا كثيرة . الرابع : فيه بيان شفقة النبي صلى الله عليه وسلم ورأفته بأمته ، لأنه أرشدهم إلى ما يصلحهم ، وهو ما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة ، لأن النفس تكون فيه أنشط ، ويحصل منه مقصود الأعمال وهو الحضور فيها والدوام عليها ، بخلاف ما يشق عليه ، فإنه تعرض لأن يترك كله أو بعضه ، أو يفعله بكلفة فيفوته الخير العظيم . وقال أبو الزناد والمهلب : إنما قاله عليه السلام خشية الملال اللاحق ، وقد ذم الله من التزم فعل البر ثم قطعه بقوله : * ( ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها ) * ( الحديد : 57 ) ألا ترى أن عبد الله بن عمرو ندم على مراجعة النبي صلى الله عليه وسلم بالتخفيف عنه لما ضعف ، ومع ذلك لم يقطع الذي التزمه . الخامس : فيه دليل للجمهور على أن صلاة جميع الليل مكروهة ، وعن جماعة من السلف لا بأس به . قال النووي : وقال القاضي : كرهه مالك مرة ، وقال : لعله يصح مغلوبا ، وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة . ثم قال : لا بأس به ما لم يضر ذلك بصلاة الصبح ، وإن كان يأتيه الصبح وهو نائم فلا ، وإن كان به فتور وكسل فلا بأس به . 33 ( ( بابُ زِيَادَةِ الإيمَانِ ونُقْصَانِهِ ) ) أي : هذا باب في بيان زيادة الإيمان ونقصانه ، و : باب ، مرفوع مضاف قطعا . وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول أحبية دوام الدين إلى الله تعالى ، والمذكور في هذا الباب زيادة الإيمان ونقصانه ، فلا شك أن يزداد الإيمان بدوام العبد على أعمال الدين ، وينقص بتقصيره في الدوام ، سيما هذا على مذهب البخاري وجماعة من المحدثين ، وأما على قول من لا يقول بزيادة الإيمان ونقصانه ، فإنه أيضا يوجد الزيادة بالدوام والنقص بالتقصير فيه . ولكنهما يرجعان إلى صفة الإيمان لا إلى ذاته ، كما عرف في موضعه . وقَوْلِ اللَّهِ تعالى * ( وزِدْنَاهُمْ هُدًى ) * * ( ويَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمَانا ) * وقالَ * ( الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) * فَإذَا تَرَكَ شَيْئا مِنَ الْكَمَالِ فهُوَ نَاقِصٌ . وقول ، مجرور عطف على قوله : زيادة الإيمان ، وقوله الثاني أيضا عطف عليه ، والتقدير : باب في بيان زيادة الإيمان ، وبيان نقصانه ، وبيان قول الله تعالى : * ( وزدناهم هدى ) * ( الكهف : 13 ) وبيان قوله تعالى : * ( ويزداد الذين آمنوا إيمانا ) * ( المدثر : 31 ) ثم إنه قال : * ( اليوم أكملت لكم دينكم ) * ( المائدة : 3 ) بلفظ الماضي ولم يقل وقوله اليوم أكملت لكم دينكم على أسلوب أخويه ، لأن الغرض منه ما هو لازمه ، وهو بيان النقصان ، والاستدلال به على أن الإيمان كما تدخله الزيادة فكذلك يدخله النقصان لأن الشيء إذا قبل أحد الضدين لا بد وأن يقبل الضد الآخر ، وبين ذلك بقوله : ( فإذا ترك شيئا من الكمال فهو ناقص ) ، بخلاف ما تقدم من الآيتين ، فإن المراد منهما إثبات الزيادة تصريحا لا استلزاما ، لأن الزيادة مصرحة فيهما بخلاف الآية الثالثة . فإن الصريح فيها الكمال الذي يقابله النقصان ، وهو يفهم منه التزاما لا صريحا . ولما كان الباب مترجما بزيادة الإيمان ونقصانه احتج على الزيادة بصريح الآيتين ، وعلى النقصان بالآية الثالثة بطريق الاستلزام ، وقد ذكر الآيتين المتقدمتين في باب أمور الإيمان عند قوله : كتاب الإيمان ، وقد قلنا أنه لو ذكر ما يتعلق بأمور الزيادة والنقصان في باب واحد ، إما هناك وإما ههنا ، كان أنسب ، ولكنه عقد في باب أمور الإيمان هذا الباب ههنا لأجل المناسبة التي ذكرناها آنفا ، فالآية الأولى في سورة الكهف ، والثانية في سورة المدثر ، والثالثة في سورة المائدة ، وقد مر الكلام في الآيتين الأوليين هناك . فإن قلت : دلالة الآية الثانية ظاهرة على زيادة الإيمان فكيف تدل الأولى وليس فيها إلاَّ زيادة الهدى ، وهي الدلالة الموصولة إلى البغية ؟ ويقال هي الدلالة مطلقا ؟ قلت : زيادة الهدى مستلزمة للإيمان ، أو المراد من الهدى هو الإيمان . وقال ابن بطال : هذه الآية يعني قوله تعالى : * ( اليوم أكملت لكم دينكم ) * ( المائدة : 3 ) حجة في زيادة الإيمان ونقصانه ، لأنها نزلت يوم كملت الفرائض والسنن واستقر الدين ، وأراد الله عز وجل قبض نبيه ، فدلت هذه الآية أن كمال الدين إنما يحصل بتمام الشريعة ، فتصور كماله يقتضي تصور نقصانه ، وليس المراد التوحيد ، ولوجوده قبل نزول الآية .